وهبة الزحيلي

248

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

يخلقهما عبثا ولهوا ولعبا ، وفي ذلك دلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والألوهية ، كما جاء في رواية عن اللّه عز وجل : « كنت كنزا مخفيا ، فأردت أن أعرف ، فخلقت الخلق ، فبي عرفوني » إلا أنه لم يصح حديثا ، ومعناه صحيح مستفاد من قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات 51 / 56 ] . ولا ينتفع بتلك الدلالات ولا يفهم هذه الأسرار إلا المؤمنون المصدقون باللّه ورسوله ؛ لأنهم يستدلون بآثار الخلق على وجود المؤثر فيها . ثم أمر اللّه تعالى رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن وهو قراءته وإبلاغه للناس للاستزادة من المعرفة الدالة على وجود اللّه ووحدانيته وقدرته وحكمته فقال : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ أي اقرأ يا محمد ومثلك كل مسلم ، وأدم تلاوة هذا القرآن وتبليغه للناس ، فإنه إمام ونور ، وهدى ورحمة ، ودليل خير ونجاة ، وعلاج ما استعصى من الأزمات والمحن ، وتخطي مراحل اليأس والقنوط . كذلك أمر تعالى بالصلاة قرة عين المؤمن فقال : وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ أي وأدّ أيها النبي وكل مؤمن فريضة الصلاة ونافلتها تامة الأركان والشروط ، مع الخشوع والخضوع للّه ، واستحضار خشية اللّه في جميع مراحلها ، فهي تشتمل بمواظبتها على شيئين : ترك الفواحش والمنكرات ، وهي عماد الدين ، وصلة بين العبد وربه ، ودليل الإيمان واليقين ، وفرجة المكروب والمحزون ، وسبب لتطهير العبد من آثار الذنوب والمعاصي . جاء في الحديث الذي أخرجه الطبراني وغيره من رواية عمران وابن عباس مرفوعا : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، لم تزده من اللّه إلا بعدا » و روى أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن أنس رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « حبّب إلي من دنياكم النساء ، والطيب ، وجعلت قرة عيني في الصلاة » .